ليلة الجلوة.. قصة قصيرة لعبير عبدالله

  • جداريات Jedariiat
  • الإثنين 07 أكتوبر 2019, 5:37 مساءا
  • 107

الكاتبة عبير عبدالله

كتبوا كتابك يا نقاوة عينى يوم الهنا يوم ما تجينى وزغرودة حلوة رنت فى بيتنا يا ولاد حارتنا وولاد حارتنا زغرودة حلوة..

 رأتنى الحاجة توحيدة من شباك المطبخ..

- العقبى لك يا نوسة..  أين زغرودتك الحلوة؟! والله أنت لك زغرودة تسعد القلب وتريح البال لا ألاقيها عند أى واحدة من الجيران.

جاءنى صوت سمر وبسمة وهدى من وراء شباكهن..

 - أين أنت منذ يومين؟ لم نسمع لك صوتًا، كنا عاملين هيصة كبيرة، فاتك نصف عمرك، تعالى الليلة، الجميع منتظرون لك.

لم أجب، ابتسمت وأنا أشير بالموافقة، دخلت وقفلت الشباك وحمدت ربنا أن أيًّا منهن لم تر أثرًا لدموعى التى لا أعرف كيف أداريها، رغم الابتسامة الهادئة التى أرسمها دائمًا على وجهى- منذ.. لا أريد أن أتذكر-  كلما قابلت موقفاً يجرحنى ويحز فى نفسى وما أكثر المواقف!..

اختلطت روائج البخور والعطور الخليجية والنوبية مع ضحكاتهن ومشاغباتهن مع الحاجة توحيدة، أشهر سيدة تزين العرائس وتجلوهن وتعدهن لليلة عمرهن، سيدة بركة كما يقولون  ومجربة، العروس التى تعدى تحت يديها تكون تحفة وليلتها أحلى من ألف ليلة وليلة، ويكون وجهها حلو عليها ويرزقها الله البنين والبنات..

اطمأننت أن لا أحد فى البيت، أعددت عدتى، حشرت القطن فى فمى حتى لا يصدر عنى حتى الآاااه!، كلما تحسست هذا الجاثم فى أحشائى يمتص دمى ويكبر ويستوطن كيانى بلا رحمة، قلت: يا رب..

شددت أقماطى حتى كدت أن أختنق، وهو لم يتأثر، خفت لربما يكون ذلك سعادة له ودافعًا له للتوغل داخل أحشائى وافتراسى، لبست جلباب أمى الواسع لأساعدهن فى  فرش العش السعيد وترتيبه، وكلما أصابنى وجع انطلقت منى زغرودة طويلة حلوة تسعدهن وتبعد عيونهن عنى ويريننى جميلة رشيقة أستحق السعادة رغم العيون العمياء!

ضحكت كثيراً عندما شدتنى بسمة من يدى لأرقص معها، هى ببطنها الكبير وتباهيها بأنها فى شهر حملها الخامس بعد زواجها مباشرةً، تتحسسها وهى تناغى جنينها وتناغشه وكأنه يرقص معها ويسعد لفرحها، وأنا بأقمطتى وجسدى المضغوط المرهق!، اعتذرت بأننى لم أقم بعمل ريجيم منذ فترة طويلة، وتركت الأمور تجرى على البحرى، فلم يمنع إحداهن من حبك "الإيشارب" حول وسطى وأنا أتمنع وأضحك حتى لا أبكى، وأخيراً هربت منهن بحجة قديمة من حجج الفتيات، وباننى لا أستطيع اليوم فقط أو اليوم والغد على أقصى تقدير، فتركننى وهن يدعين لى بالستر وابن الحلال الذى يريح بالى..

ابتسم لى وأخذ يناغينى ويهدهدنى، رأيته مرة يحبو حتى وصل إلىّ ونظر نظرة بهاؤها كالبدر فى سمائه، أضاءت قلبى وآنست وحشتى، شعرت بطعم الحياة وهو ينادينى مع الملائكة ماما.. ماما..

سكاكين المطبخ ومقصاته عملت حفلة الليلة – ككل ليلة – انتصب المولد وعم اللون الأحمر السماء والأرض، اشتعلت النيران حينما تعاركت السكين ذات النصل الأسود المعقوف مع الساطور الكبير، هيجت النيران كل ما حولها، انتشرت رائحة الشياط فى كل مكان، أصوات المقصات تطاردنى وتسوقنى إلى المقصلة، المقصلة تأتى من بعيد جداً مهرولةً لتعانقنى، خفت.. اختفيت وراء بساط أسود طويل عريض وقلت فى نفسى شىء أفضل من لا شىء.. وجدتها أمامى تبتسم.. تقهقه كالرعد مثل باقى السكاكين والسواطيروالمقصات!.

 - هاها ..هىء ..هاو.. وفرتى علينا التعب ووقفتى برجليك على النطع..

 - النطع؟!..

الجميع يضحكون ويصفقون ويهتفون باسمى.. هيا يانوسة.. هيا يا نوسة.. 

جاءنى هو بابتسامته العذبة ووجهه الذى ينير بهاؤه السماء، اقترب منى، نادانى من تحتى: "خافى واحزنى، خافى واحزنى وأبشرى بالمقصلة، أبشرى بالمقصلة..

قالوا إن تركته فلن يسمح أن يشاركك سواه وإن زال لن يسمح أن يكون لك أحد!! ..

ظل يستوطن أحشائى وكل كيانى، أخافه وأخاف الوحدة والغربة وهو سعيد يصول ويجول ويعلن عن ذاته منتفخاً مبتهجاً!.

قلت عوضى على الله؛ فرفعوا علىّ السكاكين وساقونى.

 صوت بعيد نادانى:

الغربة مرة ولو وسط مولد كبير، والوحدة عفريت يسكن من يذعن أو حتى يتمرد!.

قلت: ومن يهرب من المكتوب؟!

وغبت وحيدة طلعت سابع سماء ونزلت سابع أرض واحتفلت بجلوتى..

تششش.. صوت دمائى تجرى فى عروقى  تعترضها السكاكين فتنفجر براكين حمراء مشتعلة، أشم ريحها وأتنفسها وأنا أجرى.. أجرى.. ولا يتوقف لهاثى أبحث عنه فى كل مكان .. ابنى .. ابنى .. ونيسى .. أنيسى ..  بهاؤك ضياء يجلو ظلماتى.. أنفاسك تحرق جليد الغربة والوحدة وتدفء القلب الظمآن..

نادانى مع الملائكة وقيثارة السماء تعزف ماما.. ماما.. يرددها قلبى ولسانى ..

الأمل مولود وكل ما دونه مفقود.

 - نوسة.. نوسة.. أفيقى يا نوسة..

 ماما.. ماما.. ابنى.. ابنى.. نور عينى ونيسى أنيسى.. صرخت آآه... لالا..

وجدته.. وجدته

 كتلة أخطبوطية متورمة مسخ بشع يقطر دمائى ..

  - أفيقى يا نوسة.. أفيقى

لقد نجحت العملية وتم استئصال الورم بسلام..

 لا أم أنت ولا ابن لك ..

 كمموا فاها حتى لا يشعر بها أحد ويقولون: ........

تعليقات