د. خالد فوزي حمزة يكتب: وقت الإجابة يوم الأربعاء

  • أحمد عبد الله
  • السبت 26 نوفمبر 2022, 01:37 صباحا
  • 193

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه..

أما بعد..

فقد جاء عن جابر رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا في مسجد الفتح ثلاثا يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء فاستُجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين فعرف البشر في وجهه، قال جابر: فلم ينزل بي أمر مهمٌّ غليظ إِلاّ توخَّيْتُ تلك الساعة فأدعو فيها فأعرف الإجابة) [رواه أحمد والبزار وغيرهما]، وفي: (شرح صحيح الأدب المفرد) للشيخ حسين العوايشة (2/380، 381): (مسجد الفتح: هو المرتفع على قطعة من جبل سلع في المغرب، يصعد إليه بدرجتين شمالية وشرقية، وهو المراد بمسجد الفتح عند الإِطلاق، ويقال له أيضاً مسجد الأحزاب، والمسجد الأعلى. قال شيخنا أي: الألباني: (لولا أَنَّ الصحابي رضي الله عنه أفادنا أَنَّ دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت من يوم الأربعاء كان مقصوداً، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب وليس الخبر كالمعاينة، لولا أَنَّ الصحابيّ أخبَرنا بهذا الخبر؛ لكنّا قُلْنا هذا قد اتفق لرسول الله صلى الله عليه وسلم أَّنه دعا فاستجيب له؛ في ذلك الوقت من ذلك اليوم، لكن أَخذ هذا الصحابي يعمل بما رآه من رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً ووقتاً ويستجاب له، إِذاً هذا أمرٌ فهمناه بواسطة هذا الصحابي وأَنّه سنّةٌ تعبدية لا عفوية). قال جابر: ولم ينزل بي أمر مهمٌّ غائظ): غائظ اسم فاعل من غاظ، أي: شديد. (إِلاّ توخَّيْتُ تلك الساعة): قال في النهاية: (توخيت الشيء: أتوخَّاه توخِّياً؛ إِذا قصدْت تلك وتعمَّدت فِعْله وتحريْت فيه). (فدعوتُ الله فيه بين الصلاتين يومَ الأربعاء في تلك الساعة إِلاّ عرفْتُ الإِجابة): أي: الظهر والعصر كما في بعض الروايات. والله أعلم بصحّتها. وفيه الإِلحاح في الدعاء وعدم الملالة منه وعدم استعجال الإجابة) اهـ.


وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه اقتضاء الصراط: 1/433: (وهذا الحديث يعمل به طائفة من أصحابنا وغيرهم فيتحرون الدعاء في هذا كما نقل عن جابر ولم يُنقل عن جابر رضي الله عنه أنه تحرى الدعاء في المكان بل في الزمان)، وقال البيهقي في شعب الإيمان: (2/46) (قال ويتحرى للدعاء الأوقات والأحوال والمواطن التي يرجى فها الإجابة تماما فأما الأوقات فمنها ما بين الظهر والعصر من يوم الأربعاء).


وهذا الحديث أورده البيهقي في فضائل الأوقات برقم (305) وقطب الدين الحنفي في تاريخ المدينة (ص 134)، وقال البزَّار: عقبه (لا نعلمه يروي عن جابر إلا بهذا الإسناد). وهذا الإسناد جوَّده الحافظ عبد العظيم المنذري في الترغيب والترهيب (2/180) والسيوطي في سهام الإصابة في الدعوات المستجابة ص(75)، وأشار السيوطي في الخصائص الكبرى إلى ثبوته، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: (رواه أحمد والبزار ورجال أحمد ثقات)، وقال السَّمهودي في وفاء الوفا (3/830): (ورُوِّينا في مسند أحمد برجال ثقات) وذكر الحديث، وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، وفي صحيح الأدب المفرد.

وقد قيل في هذا الحديث إنه ضعيف لعدة علل: لعل أشهرها: الكلام في راويه: (كثير بن زيد)، ثم الكلام في اضطرابه في روايته فيه.


والكلام في اضطراب روايته بسبب الاختلاف من الثقات على كثير بن زيد في الإسناد والمتن جميعًا، ففي بعض الروايات يحدِّث به عن عبد اللهِ بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك؛ وفي بعضها يحدث به عن أبيه؛ وسمى المسجد في بعض الروايات (مَسْجِدِ الفَتْحِ)، وفي أخرى: (مَسْجِدِ قُبَاء)، وفي ثالثة أن (مَسْجِدِ الأَحْزَابِ).


ولا إشكال عندي في تسمية المسجد، فلو كان اضطراباً، فهو في تسمية المسجد فقط، ولا يؤثر في الحكم، كما كان الاضطراب في حديث القلادة فيما فيها من دنانير ودراهم لم يؤثر في الحكم أنها لا تباع حتى تفصل.


وأما الاضطراب في الإسناد، فيمكن رده بأن عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب، الذي يروي عن أبيه رجل آخر، أشار له ابن حجر في تعجيل المنفعة، (1/750 ـ ج563)، علماً أنه تابع كثيراً ابنُ أبي ذئب متابعة قاصرة تلتقي في راوي الحديث، لكن في إسنادها رجل من بني سلمة، ولعله أحد الرجلين عبد الله بن عبد الرحمن أو أبوه عبد الرحمن؛ لأنهما أنصاريان من بني سلمة، فإن كان عبد الرحمن بن كعب فهو ثقة، وإن كان عبد الله بن عبد الرحمن، فهو مستور الحال، فيصح تحسين الإسناد حينئذ، وهو ما درج عليه شيخنا الألباني.


أما كثير بن زيد، فقد اختلف فيه علماء الجرح والتعديل ما بين موثق ومضعف له، بل وابن معين تارة يُضعِّفه وتارة يوثقه، ولذا لخص ابن حجر القول فيه بأنه (صدوق يُخطئ)، فقد ترجم لكثير هذا وقال: (كثير ابن زيد الأسلمي أبو محمد المدني ابن مافنه بفتح الفاء وتشديد النون صدوق يخطئ من السابعة مات في آخر خلافة المنصور)، وأشار إلى أنه أخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجه.


فجعله من مرتبة التعديل الخامسة، يشير أنه يُحسن حديثها لذاته، فلا تفتقر إلى متابعة، فهذه اللفظة (صدوق يُخطئ) يطلقها ابن حجر في رجال المرتبة الخامسة التي لم يشترط لها المتابع.

فابن حجر رتب الرواة ذكر في خطبة كتابه تقريب التهذيب ما نصه: (أنني أحكم على كل شخص منهم بحكم يشمل أصح ما قيل فيه، وأعدل ما وصف به، بألخص عبارة، وأخلص إشارة)، ثم قال: (انحصر لي الكلام على أحوالهم في اثنتي عشرة مرتبة)، وهذه المراتب تنقسم إلى ست مراتب في التعديل، وست في الجرح، وذكر في المرتبة الخامسة أنهم: الذين ذكر أنهم من قصر عن الرابعة قليلاً، [وهم مرتبة الصدوق]، قال: (وإليه الإشارة بصدوق سيء الحفظ، أو صدوق يهم، أو له أوهام، أو يخطئ، ...الخ). وأتبعها بالسادسة، قال فيهم: (من ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله، وإليه الإشارة بلفظ: مقبول، حيث يتابع، وإلا فلين الحديث).


ولما ترجم لكثير بن زيد قال: (صدوق يخطئ)، فعلمنا أن كثيراً عنده في المرتبة الخامسة، وهم الرواة الذين لم يخرجوا عن أصل العدالة، مع خفة في الضبط، وبقي أن ننظر في احتياج مروياتهم للمتابعة أو لا، فالصحيح أن رجال خامسة ابن حجر لا يفتقر أحدهم إلى متابعة عند ابن حجر، لمفهوم قوله في السادسة: (مقبول حيث يتابع)، فاشترط المتابع لخصوص مقبول رجال السادسة، فعلمنا أن رجال الخامسة عنده في الجملة حديثهم كالحسن لذاته، وليس كالحسن لغيره الذي يحتاج متابعة.


وقد منَّ الله علي بتدريس مادة (دراسة الأسانيد) بدار الحديث بمكة، وقد أعطيت كل طالب رجلاً ممن قيل فيه (صدوق يهم) أو (صدوق يخطئ) أو (صدوق يخطئ كثيراً) وأشباه هذا، للتدرب على دراسة كيفية الجمع بين أقوال علماء الجرح والتعديل في الرجل الواحد، من خلال قواعد الجرح والتعديل المتنوعة، ومقارنة ذلك بحكم ابن حجر، وقد تبين لي أن ابن حجر في الجملة يميل إلى وضع الرجل في الطبقة الخامسة إذا لم يكن متهماً، تهيئة منه لقبول حديثه في جملة الحسن، والحديث الحسن وسط بين الصحيح والمردود، ولدقته قال الحافظ الذهبي: (ثم لا تطمع بأن للحسن قاعدةً تندرج كل الأحاديث الحسان فيها؛ فأنا على إياسٍ من ذلك، فكم من حديثٍ تردد فيه الحفاظ هل هو حسنٌ أو ضعيفٌ أو صحيحٌ). (الموقظة: 28)، لكن في الجملة اعتمد العلماء في تحديده على سبر مرويات الراوي، فإن توبع على أكثر ما رواه فيقبل حديثه جملة، حتى لو وقع منه خطأ في بعضه، لكنه لا يتابع على الخطأ، يل ما أخطأ فيه وخولف فيه فهو من ضعيف حديثه، وما توبع عليه ووافقه من هو بمرتبته أو أعلى فهو من صحيح حديثه. أما التي لم نجد لها متابعة ولا شاهداً فهو الحسن، وقبوله تحسيناً الظن بالراوي فقد قال r: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين) [رواه البيهقي، وصححه الألباني].


وليت الجامعات تتبنى مشروعات علمية في سبر مرويات (خامسة ابن حجر) والحكم عليها، وعلى كلٍ؛ فالمقصود التنبيه على أنه ليس كل من كان في هذه الخامسة يكون مردود الحديث، ولاسيما من رجال هذه الطبقة من حديثه في الصحيحين أو أحدهما، فعلى سبيل المثال: فممن قال فيهم ابن حجر: (صدوق يخطئ): إسماعيل ابن زكريا ابن مرة الخُلْقاني (ت194هـ) وقد أخرج له الجماعة، وكذا إسماعيل ابن مجالد الهمداني، وبشر ابن عبيس. وأخرج لهما البخاري، وممن قال فيهم (صدوق يخطئ كثيراً): شريك ابن عبدالله النخعي الكوفي القاضي، ويحيى بن محمد المحاربي الضرير، ويونس ابن أبي يعفور، وأخرج لهم مسلم، ومن المشهورين: نعيم ابن حماد المروزي، وأخرج له البخاري ومسلم في المقدمة، وممن قال فيهم ابن حجر: (صدوق يهم): حَزْم ابن أبي حزم القطعي وأخرج له البخاري، وكذا إسماعيل ابن عبدالرحمن ابن أبي كريمة السدي، وجبر ابن نوف البكالي، وجعفر ابن برقان، والحارث ابن أبي ذباب، ويونس ابن أبي إسحاق السبيعي أبو إسرائيل الكوفي؛ وقد أخرج لهم مسلم، وكذا حاتم ابن إسماعيل المدني، وقد أخرج له الجماعة، وكذا حرمي ابن عمارة وأخرج له البخاري ومسلم، وغيرهم كثير.


كما وقفت على العديد من الروايات التي تفرد بها رجال من هذه الطبقة، وصححها العلماء، منها قول أبي هريرة رضي الله عنه (ما رأيت رجلاً أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من فلان لإمام كان بالمدينة..) وحديث أبي هريرة (افترقت اليهود على إحدى ـ أو اثنتين ـ وسبعين فرقة، ...)، وأثر (إنَّه لا جديد لمن لا يلبس الخَلِق)، وغيرها كثير. وعلى كل فثبت بمجمل هذا أن تفرد راو من المرتبة الخامسة عند ابن حجر لا يعني بالضرورة ضعف الرواية، فتكون رواية كثير بن زيد في وقت الإجابة يوم الأربعاء مقبولة.


والله أعلم وصل الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. [كان هذا من منشور نشرته في بعض الصحف المصرية عام 2019، لكن نشره إلكترونياً يزيد في الانتشار لتعم الفائدة، وبالله التوفيق.


كتبه:

أ. د. خالد فوزي عبد الحميد حمزة
الأستاذ الدكتور بجامعتي العلا ومينيسوتا

تعليقات