"لسه في أوله".. قصة قصيرة لبستاني النداف

  • جداريات Jedariiat
  • الأحد 29 سبتمبر 2019, 7:10 مساءا
  • 467

بستاني النداف

أشعة الشمس تستدير كي تدخل صحن المنزل، تلقم للأرض ثدييها ثم تتدلى علي درجات السلم، تضيء بعض المكان، النهار يفرض سطوته بظل ممدودا على ما تبقى منه، أسلاك مربوط طرفيها بإحكام تتلقى البث في هدوء  وشاشة صافية تنقله.

بعين متأمله وقفت تتهجى ملامحه وأخرى حافية - دون رداء – لم تستطع. زفرات متألمة تخرجها من فرط انتظارها دون أن يشعر بوجودها جواره،الأرض المكنوسة تبدو نظيفة ورائحة التراب الناعم المبلل بقليل من الماء ينعش مزاجه. بصره سرقته الشاشة وعقله مشغول بـ"إنجي " و "علي " والمنديل وضوء القمر وحريق القاهرة في العيد الحادي والستين للثورة المجيدة.

"هفت " السيجارة المتساقط  يزيد عدد الثقوب في جلبابه البالي . نفخات سريعة ودخان متصاعد ويد مرتعشة تحاول أن تحكم قبضتها على ما تبقى من السيجارة بين السبابة والوسطى "المسطولين "لتلقيا بها بين أسنانه الداكنة المتوترة حين لاقت عيناه مشهداً رومانسياً للبطل والبطلة وهما يقفان لحظة الغروب ... يباغته الجزء الأخير من السيجارة بلسعة قوية، فيصرعه أرضاً ويدهسه بنعل حذائه الكُهنة القابع بجوار حصيره البلاستيكي المبسوط على الأرض. يحاول تطييب خاطر أصبعيه بنفخة من "شكمانه" المليء بالأدخنة، يتبعها سعال قوي وعينان دامعتان، يسترد بعضاً من أنفاسه ويعود ليكمل تطييب خاطريهما "بتفلات" خفيفة من لسان برص بارع في النفخ لينهي عملية التداوي.

عمامته التي تشبه مبنى  قديما مكونا من عدة طوابق آيلة للسقوط تنداح من فوق رأسه فيظهر طبق فضي متصبب بالعرق، تنظر لصلعته البيضاء ثم تمصمص شفتيها وتقول:

-أصلع حالنا يا رب!

يعيد عمامته لوضعها الطبيعي ثم يرمقها بنظرة غاضبة فتبتسم وتقول:

- أصلح حالنا يا رب!

يشيح عنها بوجهه ويعود لمشاهدة الفيلم.

إعلانات المشروب الغازي الجديد تقطع حبل وصاله، لكن الفتيات ذوات الأجساد البضة يجعلنه يشعل السيجارة الثانية والستين ونشوة تسري في جسده، قبل أن يُقبل سيجارته يعض على شفتيه ويحرك رأسه في حسرة. ينظر إليها ،يتأملها، محقت عينها اليسرى،وضعت رقبتها في جوال قطن بالغ الضخامة بينما وجنتيها قد انتفختا مثل بطن فرن شمسي ملئت رماداً.

فجأة يصرخ كمن سرت النار في أوصاله وحرقتها:

-  آه..........آه .

ثم يبكي كطفل، تقترب منه وتسأله:

-مالك يا خويا بتبكي ليه !

ينظر إليها ويحاول أن يتمالك أعصابه ويجيب بصوت مبحوح:

- مافيش.... أصلي افتكرت حريق القاهرة.

تربت على كتفه وتقول:

- يا خويا دانت مابكيتش في النكسة ولا لما مات ناصر!

فينظر إليها وتتغير ملامح وجهه ويشير بإصبعيه السبابة والوسطى ناحية عينيها بينما عيناه تنظران لجسدها باشمئزاز ويقول:

-  لأ .... بكيت ........وغنيت "عدى النهار" .

تفهم إشارته وتنظر إليه بعين المرأة المتمرسة وبصوت ساخر :

سمعتك وصوتك وحش يا أبو قردان... عملي نكسة في حياتي .

يقطع  التليفزيون صراعهما حينما تظهر المذيعة التي اختفت كل بقع الشاي الأسود من وجهها بفعل المساحيق ليظهر وجهها مثل اللبن الرائب مؤكدة على خبر مهم ،أن الفنان "علي " والفنانة " إنجي " سيعودان لتمثيل فيلمهما من جديد خلال أيام .   

قبل منتصف الشهر التالي بيوم ...

الخيطان الأسود والأبيض يتصارعان وضوء الصبح يأتي في ذبول ، الشمس متململة وضيق يسيطر على أشعتها المستسلمة، تمد سواعدها المنهكة في تردد، تخشي النزول، رجفة عميقة تدب في أوصالها . شواشي النخيل الهلعة تبدو  كأشباح، البلح الملون يساقط منها قبل موعد جنيه، دوي أصوات ترتعد لها القلوب تطغى على المكان.

الأسلاك المتدلية تترنح والصورة الصافية يصيبها الغموض. يحاول تثبيت ما ترنح، تغيب قناته، يقلب في الريموت، قناة وراء أخرى. البطل بلباس يشبه لباس  "علي" وبلكنة تبدو هي، يأتي  بأسلحة وجنود وغبار وألسنة على شكل عقارب تجيد الطيران والحبو  والقفز .  يرى الدماء، يصيبه الفزع، يصرخ كمن سرت في أوصاله نار :

-آه .... آه ...

ثم يبكي كطفل .

تقترب منه وتسأله:

-مالك يا خويا بتبكي ليه تاني !

بصوت مختنق يرد:

-          أصلي افتكرت حريق القاهرة .

تنظر للمشهد بعينها اليتيمة، ترى الدماء، تنهال الدموع من عينها، ثم تنظر إليه، تطمئن لأول مرة من أنها حفظت  ملامحه.

تزيح العمامة من على صلعته، تضع يدها فوق رأسه وتضمه لصدرها بحنو ثم تقول وقد أغمضت عينها اليتيمة في أسي :

-ابكي يا خويا ... ابكي ... بس أوعى تغني "وعدي النهار" .. أصل النهار لسه في أوله !!!

تعليقات