حنان ماهر تكتب: سرد الاتجاه الاجتماعي وفنياته في "قطر الندى" لـ مصطفى عطية

  • أحمد عبد الله
  • الجمعة 23 سبتمبر 2022, 3:27 مساءً
  • 163
د. مصطفى عطية - والكاتبة حنان ماهر

د. مصطفى عطية - والكاتبة حنان ماهر

سرد الاتجاه الاجتماعي وفنياته

في المجموعة القصصية قطر الندى لمصطفى عطية جمعة 



 مرت القصة القصيرة بمراحل كثيرة ومختلفة في تشكيل خطابها، سواء على المستوى الفني أو المضمون أو البنية أو التقنيات الحداثية، وما يواكب ذلك من تطور مناهج العلوم والنقد الحداثي، ويقوم فن القصة على تصوير حدث حياتي أو اجتماعي أو نفسي لشخصية أو شخصيات من المجتمع، وذلك في إطار سردي وحواري وفي وجود حبكة تروي تفاصيل حادثة معينة تجري أحداثها في مساحة زمنية ومكانية.  إذا كان السرد هو الكيفية التي تروى بها القصة فإن كيفية السرد وتنوع الأسلوب وتشكيلة في التعبير يتغير بتغير أغراض وفكرة الكاتب ووجهة نظره، وما يريد أن يوصله للمتلقي من خلال السرد

نحن بصدد المجموعة القصصية "قطر الندى " للكاتب د. مصطفى عطية الصادرة عن دار شمس للنشر والإعلام، بالقاهرة.

  وبالنظر إلى عنوان المجموعة قطر الندى، فهو لقب أسماء بنت خماروية بن أحمد بن طولون ونجد انطباع أولى لدي المتلقي عن زفافها للخليفة العباسي المعتضد بالله وما أحاطه من مظاهر. وذلك يعطي المتلقي انطباعًا أن القصص لها روح الحواديت والسيرة الشعبية وما بها من تراث وموروث وتاريخ.

إن التطور الكبير الحاصل في القصة الاجتماعية القصيرة جعلها جديرة بمزيد من البحث وخاصة فيما يعني بقضايا المجتمع وصوره وشخصياته. وهنا نتكلم عن الاتجاه الاجتماعي ومعالمه الفنية في القصة القصيرة من خلال المعالم الفنية له كعمل فني يعتمد على اختيار فكرة النص ليتوزع من ذات القاص ويمتد إلى الواقع الاجتماعي الإنساني كأسلوب للكتابة القصصية التي تمتاز بوحدة التركيبات الفنية.

يرى د. شاكر عبد الحميد الأدب خاصة والفن عامة قد يعكس ما يحدث في المجتمع ويعبر عنه، فالأدب كما يقول الناقد هو مرآة المجتمع التي تعكس آماله وآلامه وتطلعاته، لكنه يفعل ذلك من خلال طرائق مختلفة في الأزمنة" شاكر عبدالحميد، دراسة في سيكولوجية التذوق الفني: التفضيل الجمالي والأدب، مجلة عالم المعرفة، العدد ٢٦٧ ،(المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ص٣٣٧)

  تهدف قصص المجموعة ذات الاتجاه الاجتماعي إلى نقل ظواهر المجتمع والعلاقات بين أفراده والتعبير عن آلام الشعب بفئاته المختلفة وآمالهم، وما يعتمل الواقع من معوقات لأحلام قطاعات اجتماعية متباينة. كما تعكس القصص وعي الكاتب بمعاناته ومعاناة المواطنين اليومية وكشف مواطن الخلل في العلاقات الإنسانية والتحولات الحادثة في المجتمع وسلوك أفراده والعدالة الاجتماعية هي التصور الذي يسعى المبدع إلى تحقيقه في مجتمعه تصور يتم حدوثه من خلال تضامن وتكافل اجتماعي عام.

ويسعى إلى عرض صورة الحياة كما عاشها ووصف الأحوال الاجتماعية وإعلاء القيم الإنسانية بما عند الكاتب من ذكريات ومشاهدات وخبرات سابقة ويكتب ذلك في سرد صورة الوضع الاجتماعي القائم في ذلك الوقت ممثلة في أحواله وقوانينه وصورة المفاهيم والتقاليد والطقوس التي تتعلق بالذهن الجمعي وقتها، ومن ثم صورة العلاقات الاجتماعية التي تدور في نطاق الأسر الصغيرة فهو يلتمس  المشكلات الاجتماعية والقضايا التي تشغل بال الناس ويقتنصها من هنا وهناك ويطرحها من خلال القصة كقضية اجتماعية مع تصوره الخاص في إطار سردي.

ومن أهم تقنيات السرد في العمل القصصي الراوي والوصف والحوار والحدث والزمن والنهايات.والراوي هنا بضمير المتكلم الذي يعرف كل شيء عن السرد والحدث والشخصيات فيما يبدو كأنه يروي حياته، وهو هنا أخذ دور الحكي فهو طفل يحكي مكان الجدة التي من المتعارف عليه بين المتلقين أنها من تحكي القصص والسير الشعبية والحكايات الخرافية، لذلك هو راوي طفل في صورة جدة، ولأهمية ومكانة الجدة في الحكي عموما وعند الكاتب خصوصا وعند كل متلقٍّ استخدم الكاتب هذه الطريقة وقد كتب مفردة جدتي 21 مرة. ولأنه لابد من وجود من يستمع لهذه الحكايات ولوجود فكرة الذكريات التي بكتب الكاتب مفردة عيال 39 مرة

الوصف هو فن من فنون الاتصال اللغوي الذي يستخدم لتصوير المشاهد أو الشخصيات أو التعبير عن المواقف والانفعالات الداخلية والمشاعر ويمكن نعتبره رسمًا لصور الأشياء باستخدام الكلمات لإيصالها للقارئ فيُرى الموصوف، و في المصطلح الأدبي هو تصوير العالم الخارجي أو العالم الداخلي من خلال الألفاظ و العبارات، أما من الوجهة   المعجمية، فيعتبر الوصف هو" وصفك الشيء هو نعته بما في، ومن تفسير آخر هو التجسيد والإبراز والإظهار حيث كان يقال "قد وصف الثوب الجسم إذ نم عليه و لم يستره"

أيضا الوصف يقع عادة على الأشياء المركبة من مسارات المعنى، فكان الوصف من أجل كل ذلك محتومًا عليه الأشكال المتعددة والأحوال المختلفة للمعاني والهيئات لصورة العالم الخارجي، ولهذا لابد من أن يخدم الوصف الهدف الذي خصص من أجله حتى يفي بغرضه كأداة تكتسب الصفة الفنية.

لذلك نجد هذا الوصف في المجموعة القصصية موجود في كل قصص المجموعة، يبدأ في لوحة سردها الكاتب متميزة بمسحة حزن مؤثرة، ويظهر هذا من خلال قصة الخبيث على سبيل المثال وما بها من وصف حالة شخصيات مريضة بالسرطان ومعاناتهم وما يلي ذلك من مظاهر الحزن نقرأ (ص 16) "كان مشهداً عزيزًا على سكان الحي أمه في صدر الحارة تخربش" طوب حائط بيتها علها تدلف وتلمس الجسد العظمي الذي يغسل في الغرفة الجوانية فيما تراصت كراسٍ تملأ فناء الحارة، 

وكذلك وصف الفرح والأفراح بما فيها من مظاهر وعادات خاصة في ذلك الزمن وكيف كان متماشيًا مع الحالة المناسبة لطبيعة الحدث وذلك في قصة يا ورد على فل وياسمين نقرأ ص 53 "صعد العروسان السلالم الحجرية وراءها أم صفاء حائرة بين البسملة والحوقلة وبين رفع صوتها بزغرودة تهز الحارة"

وصف السينما (ص 71) نقرأ "درجة الترسو التي دخلنا بها وتطلعت إلى حيث أشار إلى الوراء درجة الصالة فيها عائلات ورجال كبار، أما درجة كرسي اللوج فهي مقصورات خاصة غالية الثمن..."

ونقرأ وصف طبيعة (ص 89 )"في حديقة المدرسة المهجورة إلا من أشجار معمرة تختزن أمطار الشتاء وأعشاب صفراء متناثرة"

فكل ذلك أعطي مشهديه وصورة بصرية نقلت إلى ذهن المتلقي عن طريق السرد فيعيش الحالة ويتأثر بها.



وهناك وصف المكان وهو عنصر مؤثر ومهم في القصص لما له سبب فني في الكتابة لخصوصية المكان والأفراد. فمن وصف المكان والقاطنين فيه يوضح التركيز في السرد على المهمشين والطبقة الفقيرة في المجتمع مثل (ص 93):“أول المستندين على الجدار الحديدي لجسر ميدان المبيضة على ترعة بحر يوسف التي تشق وسط...   " ومن أهم الأماكن التي تم وصفها وسردها في القصص الحارة ونجدها قد كتبت 56 مرة نقرأ على سبيل المثال في قصة الخطاط (ص 30 ): “أصل إلى الحارة حيث سوق الخضار... على ناصية الحارة بائع البطيخ سيد يقف خلف عربته... وسط الحارة الباب الخلفي لفرع شركة ماتوسيان... علت جلبة العمال لتملأ الحارة "وحتى إذا لم يكن وصف الحارة بطريقة مباشرة، لكن يعلم المتلقي أن هذه البيوت والمحلات والباعة والأفراد كلها في الحارة. وذلك لأهمية الحارة وتأثيرها الكبير لدى الكاتب ودلالة أنها الشعب الحقيقي والأصيل، وكذلك يعيش بها عدد كبير من المهمشين في المجتمع مثل كمال الخطاط أو محمود حسانين أبو العروس صفاء أو الخادمة أم جمعة أو عم صالح المطرب أو العربجي صاحب الكارو أو بائع السقط..

  أما عن الحوار فهو تبادل الحديث بين الشخصيات في قصة ما،  ويعد من أهم وسائل الكاتب في العمل القصصي إذ يساعده على رسم الشخصية و تحديد صفاتها العقلية المميزة لها والكشف عن عواطفها وقناعاتها ومواقفها، إلى جانب فائدته في تطوير وتنامي الأحداث للسير بها إلى النهاية التي يريدها الكاتب وبواسطته كذلك  تتواصل شخصيات القصة مع القارئ حتي يمكنه التعرف على الشخصية عندما يسمعها وهي تتكلم، خاصة إذا أراد الكاتب توصيل صفات هذه الشخصية، وأي كاتب بإمكانه الاعتناء بالحوار حتى يكون أكثر تركيزا و استيعابا و كشفا وأكثر دلالة على الشخصية.

يقوم الحوار في قصص المجموعة بدور هام فمع وجود الحوار يقترب النص من لغة الواقع أكثر ومن شروطه الفنية من التركيز والإيجار والسرعة في التعبير عما في ذهن الشخصية من أفكار.

وقد استخدم الكاتب اللغة الفصحى في الحوار بنفس اللغة، وحتى على لسان الطفل نقرأ (ص 11 و 12): "لماذا سموه الخبيث يا خالتي؟ تكفلت أم محمود بالرد :من غضب الله يا بني لو عصيت الله أيصيبني الخبيث، احتضنتني الجدة قائلة سلمك الله يا حبيبي"

ولو على لسان الشقي أو البلطجي مرسي نقرأ (ص 24) “كنت أشرب سيجارة محشية عند سيد الكهربائي، ومرت عربة شرطة فيها ضابط عيل جديد أنا رميت السيجارة في الأرض وهو نزل اخدني النقطة"، وكما في حوار الأب مع الأم (ص 35) “قال أبي: أرزاق ناس تترشح وتدفع وكمال ال... يكتب" 

وقد استخدم بعض الكتاب اللغة العامية في كتابة الحوار بقصد التبسيط وتحقيق الصدق والواقعية، وكذا تقريب الأحداث من وعي القارئ حتى تكون في درجة وعيه وتفكيره و بهذا تظهر الشخصية بنفس الصورة التي كانت موجودة عليها في الواقع، في حين يبدو لبعض الكتاب إن كتابة المواقف الحوارية بالعامية ليست مجرد إعطاء صورة صادقة إنما هي تحتمها وتلزمها طبيعة الشخصية نفسها.

وإذا انتقلنا إلى الحدث، فيشير أصله اللغوي إلى أنه حدوث الفعل سواء هذا كان الحدث حقيقيًّا أو تخيليًّا، وليست كل الأحداث التي نعرفها أو نسمعها أو نقرؤها يوميا تصلح لتكون قصة قصيرة، إذ للحدث الفني القصصي شروط و خصائص: أولها أن يكون له اثر كلي أو جزئي، ولا يتحقق هذا الأثر إلا إذا صور هذا الحدث تنامي من خلال المقدمة والعقدة والخاتمة وبهذا يتميز الحدث الفني القصصي بترابط تفاصيله وتماسك أجزاه عضويًا و فنيا لتوافر الوحدة الفنية في العمل القصصي و خاصة حين يتوفر عنصري الأثر الكلي.

إن المادة الأساسية التي يعتمد عليها فن الحدث هو الفعل الذي يعتمد علي الحركة، وهو شكل من أشكال المحاكاة لكنه ليس محاكاة بالحركة، بل محاكاة عن طريق اللغة، فاللغة نفسها هي التي تنقل الحركات وتسرد الأفعال إلى مسامع القارئ و عقله، فيتخيل صورة للحدث؛ معتمدًا على رؤية الراوي و مشاعره و أحاسيسه و وجهة نظره ونقله لهذا الحدث.

   وقد سرد الكاتب أحداثًا كثيرة لها تأثيرها في السرد، وبالتالي تأثيرها على المتلقي وإدخاله في حالة من توليد التفاعلية بينه وبين الشخصيات والأحداث. من هذه الأحداث ما يحدث في يوم الخميس في المدرسة وما فيه من حصة الزراعة والعودة للبيت مع فرحة أن الجمعة إجازة من المدرسة نقرأ (ص 83 ): "أحب يوم الخميس فهو خمس حصص منهما حصتان للزراعة و(ص 84 ): "أعود إلى دفء اللحاف وليلة الجمعة".

وكذلك حدث حلول شهر رمضان وما في ذلك من مظاهر من أول حدث رؤية رمضان التي لم تعد موجودة، وما يصاحب هذا الحدث من تحضير لزينة رمضان واستعداد الحارة، لهذا نقرأ على سبيل المثال (ص 137): "سنذهب كلنا لنرى رؤية رمضان تزاحمت في عيوني مشهد الرؤية إنه اليوم الذي يسبق أول الشهر الكريم"

وكذلك (ص 146):  "لقد صنعوا حبال زينة طويلة جدًا واستطاعوا تثبيتها في أعلى نقطة في بيوتهم المتقابلة في الحارة"، وأيضا في (ص 147) "تحضر عربة كارو محملة بطوب أحمر فيقوم عمال ببناء فرن الكنافة البلدي، أما فرن القطايف فقد انزوى في ركن صغير"

   ولو تطرقنا إلى الزمن فقد اتضحت معالم التقنيات السردية مع ظهور كتاب "جيرار جينت" فيما اتصل بالثنائيات كثنائية القصة والخطاب والقصة والحكي وما نتج عن تلك المتقابلات من نظرات جديدة للزمن القصصي الذي يحكم أساسا بناء القصة العامة من خلال إيجاد مفاهيم مختلفة لأزمنة القص وتلك تتوزع منطقيا بين مستويين مستوى زمني خارجي وآخر داخلي والمقصود هنا بالزمن الخارجي زمن الكاتب وزمن القارئ و الزمن التاريخي و الزمن الداخلي وزمن القصة وزمن الكتابة و زمن القراءة.

ونجد أن زمن القصص هنا زمن به نوستاليجا من تذكر أحداث رآها وحدثت للكاتب ومر عليها زمن فهي من وقت الطفولة والصبا وأثرها الباقي في ذات الكاتب في مخزونه العقلي وكتبها الآن.

كل ذلك في محاولة لتلاقي هذه الذكريات مع المتلقين فيسترجع كذلك المتلقي هذه الذكريات ويظل مهتمًا بمواصلة القراءة؛ لأنه يعرف وشاهد هذه الأحداث، ولا يجد رموزًا أو تلغيزًا يعيق استرسال القراءة.

بعد أن تتشابك الأحداث القصصية وتبلغ المدى الذي أراده الكاتب، ويتضح من خلاله مصير الشخصيات نجد النهاية، ولكونها جزءًا أساسيا من صلب القصة القصيرة فهي مرتبطة ارتباطا عضويا ببدايتها، وتطور الحدث ضروري في الدفع إلى هذه النهاية التي تحدد معنى الحدث وتكشف عن دوافعه، فنجد النهايات في المجموعة القصصية نهايات مكملة للحدث وبسيطة وكأنها تسلم إلى بداية القصة التالية في حالة من التوالي، وهي نهايات في معظمها لا تغير في الكثير من أحداث وفكرة القصص، في حالة من تسهيل القراءة على المتلقي وحثه على القراءة.

وختاما، لو أردنا أن نصف الحياة لقلنا إنها قصة لذلك، فالحديث عن القصة هو حديث عن الحياة في مختلف مجالاتها؛ لأن القصة كفن له خصائصه و دوره لم ينشأ من فراغ، إنما ظهر وتطور وسط ظروف وملابسات عاشها الشعب وهذه الظروف أثرت بالضرورة على الأدب، وما الأدب إلا انعكاس للبيئة التي ولد فيها الإنسان.

المجموعة القصصية التي قرأناها ذات شخصية متميزة، حيث تأخذ مسارها في مرحلة تاريخية لها خصائص سردية وفنية تضيف لها ولنا ما هو جديد.





تعليقات