د. خالد فوزي حمزة يكتب: الوصاة بالنساء!

  • أحمد عبد الله
  • الأربعاء 03 أغسطس 2022, 09:01 صباحا
  • 406

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه..

أما بعد..

فقد أمرنا الله بفعل الخير، ووعد بالجزاء والثواب العظيم على هذا الخير، قال تعالى: {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ} [البقرة: 110]، وقال تعالى: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} [البقرة: 197] وقال تعالى: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة: 215]، وقال تعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا} [آل عمران: 30]، وقال تعالى: {وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ} [آل عمران: 115]، وقال تعالى: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا} [النساء: 127]، وقال تعالى: {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا} [المزمل: 20].

وتنكير لفظة (خير) وسبقها بـ(من) يدل على عموم الخير واتساعه، ولو كان قليلاً، والعاقل يبحث عن موارد الخير العظيمة يستفيد منها في الأوقات والأماكن الفاضلة، وغير ذلك.


وإن من أعظم الخير حفظ وصاة النبي صلى الله عليه وسلم حيث أوصى بالنساء، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (استوصوا بالنساء فإن المرأة خلقت من ضلع وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء)، فقوله صلى الله عليه وسلم (استوصوا بالنساء): أي تواصوا فيما بينكم بالإحسان إليهن.

ففي فتح الباري لابن حجر (6/368): "قوله استوصوا قيل معناه تواصوا بهن والباء للتعدية والاستفعال بمعنى الأفعال كالاستجابة بمعنى الإجابة، وقال الطيبي السين للطلب وهو للمبالغة أي اطلبوا الوصية من أنفسكم في حقهن أو اطلبوا الوصية من غيركم بهن، كمن يعود مريضا فيستحب له أن يحثه على الوصية. والوصية بالنساء آكد لضعفهن واحتياجهن إلى من يقوم بأمرهن. وقيل معناه اقبلوا وصيتي فيهن واعملوا بها وارفقوا بهن وأحسنوا عشرتهن، قلت [أي الحافظ] وهذا أوجه الأوجه في نظري وليس مخالفا لما قال الطيبي..".  إلى أن قال: "زاد في رواية الأعرج عن أبي هريرة عند مسلم (لن تستقيم لك على طريقة) قوله وأن أعوج شيء في الضلع أعلاه قيل فيه إشارة إلى أن أعوج ما في المرأة لسانها، .. وفائدة هذه المقدمة أن المرأة خلقت من ضلع أعوج فلا ينكر اعوجاجها، أو الإشارة إلى أنها لا تقبل التقويم كما أن الضلع لا يقبله قوله: فإن ذهبت تقيمه كسرته، قيل هو ضرب مثل للطلاق أي أن أردت منها أن تترك اعوجاجها أفضى الأمر إلى فراقها".

فيا سبحان الله .... أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالوصاة بالمرأة رغم وجود الاعوجاج، فالمرأة إن أردت منها الاستقامة التامة في الخلق أدى الأمر إلى طلاقها، لأنها خلقت من أعوج أجزاء الضلع فلا يتهيأ الانتفاع بها إلا بالصبر على تعوجها.


فكيف يكون الأمر إذا كان الاعوجاج من الرجل، وليس من المرأة، وتنزلاً أيضاً؛ فكيف لو كان اعوجاجها نتيجة لأفعاله هو؟!، أو كان بسبب الغيرة المعفو عن كثير منها شرعاً!!، فإن المرأة إذا غارت لا تؤاخذ على كثير من أفعالها، ففي الصحيح عن أنس قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام فضربت التي النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها يد الخادم فسقطت الصحفة فانفلقت، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم فلق الصفحة ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة ويقول: غارت أمكم ثم حبس لخادم حتى أتي بصحفة من عند التي هو في بيتها فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كسرت صحفتها وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت).


فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يعاتبها فيما فعلت، لأنه صادر من الغيرة، لكنه جعل ضمان الصحفة عليها، فليس للمرأة الغيرى أن تدعي أنها غير مسؤولة عن تصرفاتها تماماً، لكن جاء التخفيف في الشرع في محاسبتها، وليس التغاضي التام عنها.

وإنما جاء التخفيف لأنها تكون عادة مدفوعة لكثير مما تصنع، وقد ورد في ذلك حديث (إن الغيرى لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه) [أخرجه أبو يعلى في مسنده، وضعفه الألباني ثم احتمل التحسين فقال: في السلسة الضعيفة: "ومن المحتمل أن يكون أبو الشيخ أخرجه من طريقين، في أحدهما ابن إسحاق دون الطريق الأخرى، وفي هذه الليثي فقط كما أفاده الهيثمي؛ فإن صح كلامه؛ فالحديث حسن عندي على أقل المراتب. والله أعلم" اهـ]، وورد بلفظ (إن الغيراء لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه)، [قال في فتح الباري (9/325): إسناده لا بأس به].


ولننظر كيف فعلت أمنا عائشة لما غلبتها الغيرة في سفرة؛ ففي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنهـا قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج أقرع بين نسائه فطارت القرعة على عائشة وحفصة فخرجتا معه جميعا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان بالليل سار مع عائشة يتحدث معها فقالت حفصة لعائشة ألا تركبين الليلة بعيري وأركب بعيرك فتنظرين وأنظر؟ قالت بلى فركبت عائشة على بعير حفصة وركبت حفصة على بعير عائشة فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جمل عائشة وعليه حفصة فسلم ثم سار معها حتى نزلوا فافتقدته عائشة فغارت فلما نزلوا جعلت تجعل رجلها بين الإذخر وتقول يا رب سلط علي عقربا أو حية تلدغني رسولك ولا أستطيع أن أقول له شيئا)، تعني: لأنها صاحبة الفكرة، فلم تتعرض لحفصة رضي الله عنها لأنها هي التي أجابتها طائعة فعادت على نفسها باللوم. فانظر كيف صنعت لما غارت الغيرة الشديدة، والتي أدخلت نفسها فيها!!.


إن الحديث تكررت الوصية فيه فقال صلى الله عليه وسلم: (استوصُوا بالنِّساءِ خيرًا؛ فإنَّ المرأةَ خُلِقَتْ من ضِلَعٍ، وإنَّ أعْوجَ شيءٍ في الضِّلَعِ أعْلَاهُ؛ فإنْ ذهبْتَ تُقِيمُهُ كسرْتَهُ، وإنْ تركتَهُ لمْ يزلْ أعوَجَ؛ فاسْتوصُوا بالنِّساءِ خيرًا) [متفق عليه]. فبداية الحديث الوصية بالنساء، وخاتمته الوصية بهن، فكيف وقد قال صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أحرِّج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة) [أخرجه ابن ماجة وحسنه الألباني]، فجعل من خالف في حرج، فواخيبة من ضيع وصية النبي صلى الله عليه وسلم، وتاه في مهاوي الردى فحري أن يبكي على نفسه لما ضيع من الوصية العظيمة لسيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم.

والعاقل يحرص ألا يكسر قلباً لامرأة، ففي خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع قال: (ألا واستوصوا بالنساء خيرا فإنما هن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) [رواه ابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن صحيح، وحسنه الألباني]، والعاني هو الأسير، فانظر كيف رقق القلوب عليهن، بوصف الأسر، فليحذر الزوج من كسر قلب المرأة زوجته، والرجل قد يستدر عطف المرأة بحلو الكلام، أنت كذا وكذا، حتى تلين له، ثم يكسرها، على ما قيل: "قال: أنت كنز ثم دفنها". لكن الله فوقه رقيب، يجبر كسرها ويعاقبه.


إن الله تعالى هو (الجبار)، قال الله تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الحشر: 23]، وهذا الاسم يتضمن صفة (الجبروت)، وقد وردت هذا اللفظ في السنة أيضاً فعن عوف بن مالك الأشجعي أنه سمع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول في ركوعه: (سبحان ذي الجبروت والملكوت، والكبرياء والعظمة) [رواه: أبو داود، والنسائي. وقال الألباني إسناده صحيح].

والجبار سبحانه يجبر العباد على ما أراد فالمعنى فيه القهر والقدرة وأنه سبحانه قادر على أن يفعل بعبده ما شاء وإذا شاء منه شيئا وقع ولا بد وإن لم يشأ لم يكن ليس كالعاجز الذي يشاء ما لا يكون ويكون ما لا يشاء. [شفاء العليل لابن القيم (19/20)]

لكن هذا الاسم الجليل يتضمن عدة معانٍ أخرى، منها الرأفة والرحمة، ففيه جبر الضعيف [وكل قلب قد غدا ... ذا كسرة فالجبر منه دان] كما قال ابن القيم رحمه الله، فهو سبحانه يجبر ضعف الضعفاء من عباده، ويجبر كسر القلوب المنكسرة من أجله، الخاضعة لعظمته وجلاله؛ فكم جبر سبحانه من كسير، وأغنى من فقير، وأعز من ذليل، وأزال من شدة، ويسر من عسير؟ وكم جبر من مصاب، فوفقه للثبات والصبر، وأعاضه من مصابه أعظم الأجر؟ [من شرح هراس على النونية]، فحقيقة هذا الجبر هو إصلاح حال العبد بتخليصه من شدته ودفع المكاره عنه. فصار الجبار متضمناً لمعاني أسماء الرؤوف الرحيم الحليم، والكريم والوهاب والمنان، وغيرها.

وإذا دعا الداعي فقال: (اللهم أجبرني)، فإنه يريد هذا الجبر الذي حقيقته إصلاح العبد ودفع جميع المكاره عنه، فهو سبحانه، يبدي عزته ويجبر بلطفه.

والله يجبر المؤمن المنكسر، وكما يذكر ابن القيم (ولأجل هذا كان أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد لأنه مقام ذل وانكسار بين يدي ربه. وذكر حديث: (ابن آدم مرضت فلم تعدني قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين قال: أما إن عبدي فلانا مرض فلم تعده أما لو عدته لوجدتني عنده) قال: فإن المريض مكسور القلب ولو كان من كان، فلا بد أن يكسره المرض فإذا كان مؤمنا قد انكسر قلبه بالمرض كان الله عنده. وهذا والله أعلم هو السر في استجابة دعوة الثلاثة: المظلوم والمسافر والصائم للكسرة التي في قلب كل واحد منهم فإن غربة المسافر وكسرته مما يجده العبد في نفسه. [مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (1/299)].

فكذلك قلب المرأة إذا كسر؛ فلابد من مراعاة ذلك، فالضغط النفسي على المرأة عادة يكون من جهات متعددة، إذا طلقت أو فسخ عقدها، أو مات زوجها، أو غُيِّب عنها لعارض مرض أو غير ذلك، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الطلاق كسراً للمرأة كما في حديث الصحيحين (فإن ذهبت تقيمه كسرته) وفي رواية مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن المرأة خلقت من ضلع لن تستقيم لك على طريقة فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها)، فهذه المطلقة قد أعطاها الشرع العديد من الحقوق، ومع ذلك فهي مكسورة، ولو كانت قد بلغت من الدنيا ما بلغت.


وقد كنت أتأمل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التحريم: 1]، فوجدت أنه لم يقع العتاب لأجل (ابتغاء مرضاة الزوجة) إلا لأجل (تحريم الحلال)، أفلا يؤخذ منه أنه صلى الله عليه وسلم كان من هديه أنه يبتغي مرضاة أزواجه؟ فيكون الرجل الذي يبتغي مرضاة زوجته متبعاً النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، ما لم يخالف شرعاً، وهذا يؤيده حديث أمنا عائشة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) [رواه الترمذي وابن ماجه وصححه الألباني]، وفي لفظ أعم (خيركم خيركم للنساء) [رواه الحاكم في المستدرك وصحح إسناده]، وفي رواية بلفظ أعم أيضاً: عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: (خياركم خياركم لنسائهم) [رواه ابن ماجة، وصححه الألباني]، والرواية الأعم عنه رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن خياركم أحاسنكم أخلاقاً) [متفق عليه]. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق، وأكثر ما يدخل الناس النار الفم والفرج) [أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد وحسنه الألباني والأرناؤوط].

فما أكرم هذه الشريعة التي جعلت خير الرجال من أحسن للنساء، وجعلت خير الناس أحاسنهم أخلاقاً، وجعلت الجنة جزاء لتقوى الله وهذا الخلق الحسن.

والله أعلم وصل الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم


كتبه:

أ. د. خالد فوزي عبد الحميد حمزة
الأستاذ الدكتور بجامعتي العلا ومينيسوتا

تعليقات