عبير عبد الله تكتب: "إنسان.. قصة قصيرة"

  • جداريات Jedariiat
  • الإثنين 16 سبتمبر 2019, 11:35 مساءا
  • 375

القاصّة عبير عبدالله

شدتني وقفته، عيناه خرزتان عميقتا النظرة بما لا يتلائم مع أسماله البالية، شعر رأسه ولحيته الذى يشبه لبدة الأسد، وقد اخضلّت بلون التراب، وانبعجت وتلبدت، فلا تعرف لها أول من آخر، يستعطف رب الأقدار أن يقدر له من يساعده -فى رباطة جأش بين الرهب والرجاء-، ينظر إليها، يحاول الاقتراب منها، لا يجرؤ!.

 وقفت لأستطلع الأمر، واقف فوق الرصيف بين نهريّ الطريق، يحاول النزول تارة فلا تمهله العربات المسرعة، ربما دهسه أحدهم وهو يضحك، وهل لمثله دية؟!، وهل هناك من يبكيه!، ومن ذا الذى يفكر فى الاقتراب منه وإنقاذه؟!، أو إنقاذ كل ما يملكه من حطام الدنيا..؟!.

 يتقدم تارة ويتأخر أخرى، أعاد المحاولة مرارًا، السيارات تعانده فتسرع أمامه لامبالية، ربما رماه صاحبها بنظرة أو كلمة نابية، هذا غير الضحكات الساخرة و أكياس الزبالة التى يشيعونه بها أينما ذهب.

حاول أن يشير بكلتا يديه علّ أحدهم يقف ويتبعه آخرون حتى يركع ويلملم أشلاءه.

 لم آخذ قرار التحرك إلا بمشقة؛ تقدّمتُ، فردت ذراعيّ وأنا أعبر الطريق لأوقفه، ولما وصلت منتصفه حيث ترقد البائسة كصاحبها مهانة نازعتني الظنون والهواجس، وجدتني على المحك، كيف سأمسك هذا الشىء بيدي وكأنه قد وقع فى بالوعة واستقر فيها تمامًا ثم أخرج منها وسوي بالأرض؟!.

 استعذت بالله من شر نفسي الأمارة بالسوء، حتمًا هى لابد ثقيلة جدًا، نظرتُ فى عينيه وجدت نظرة الرجاء الثقة فى الله تسكنهما، تهللَ وجهه غير مصدق اهتمامي به، دفعتها بقدمي بأقصى قوة ممكنة، فجأة توقفت السيارات، وجدت عشرات العيون تنظر إلينا، تتفحصنا، قد فهمتْ وتفهّمتْ.. انحنيتُ على الأرض وأنا أحاول جرها حتى أوصلتها إليه، تجرأ وتقدم منى متلهّفًا لاسترداد كنزه وتقديم شكره وامتنانه بكل لياقة وذوق كأفضل ما يكون ابن أصول نال حظًا عاليًا من التعليم. التفتُ لأعود أدراجي وأعبرُ نهر الطريق لأصل إلى الرصيف الآخر، جدتُ سائقي سيارات الصف الأول ومن يليهم وبعض المارة قد دفعهم الفضول للتوقف ومتابعة الأمر وهم يحيونني مبتسمين، يشيرون بإصبع الإبهام علامة الاستحسان، وقد أشار إلى بكلتا يديه هو يهز رأسه سعيدًا راضيًا، وهى قابعة تحت قدميه فى سلام ويهتف معهم البطانية!!.. البطانية!!..

تعليقات