نهال القويسني تكتب: كارديا

  • جداريات Jedariiat
  • الثلاثاء 28 سبتمبر 2021, 09:23 صباحا
  • 207

بعض الأحيان يحار المرء في تصنيف نوعية معينة من الكتابات، وذلك لاتساع مداها وتشابك محتواها الوجداني والعاطفي بصورة يصعب معها فك خيوطها، وربما لأنها تمس كل من يقرأها بصورة أو بأخرى.

"كارديا".. رواية بقلم الصحفية والكاتبة الشابة "شيماء المارية"، لم أقرأ لها من قبل وفوجئت بقدرتها على الكتابة في موضوع بالغ الدقة والحساسية، عالم الروح وما يكتنفه من أسرار وغموض، وما له من تأثير على علاقاتنا وحياتنا بوجه عام.

وقد أحسنت الكاتبة صنعا إذ اختارت مدخلا لروايتها حدثا حرجا ولكنه منطقيا، حيث تتعرض البطلة لعملية جراحية دقيقة "قلب مفتوح" تكاد تفقد حياتها خلالها، فيتوقف نبضها للحظات، تطوف فيها روحها بعيدا عن جسدها المسجى على طاولة داخل غرفة العمليات بالمستشفي، فتحلق لترى أهلها وأحبائها خارج الغرفة، وما هي إلا لحظات حتى يستقر النبض وتعود إليها الحياة، وتأخذك في رحلة أخرى ترى فيها فصولا من حياتها، فتتعرف على شخصيات عالمها الحياتي على هيئة فصول متداخلة من مراحل حياتها، تقترب من المشاهد المصورة، وهو ما أظنه تأثرا بكتابتها للسيناريو.

تأخذك الأحداث غير المرتبة زمانيا والمبعثرة مكانيا لتعكس ببراعة حالة الأوهام والتخبط التي تعيشها البطلة.


شيماء المارية


أنت أمام نموذج نادر لواحدة من هؤلاء البشر الذين يولدون وبين جنباتهم روح حرة طليقة تئن تحت وطأة سجن الجسد الإنساني، يؤرقها إحساس غامض لا تستطيع وصفه، ويصعب على من حولها فهمها والتعامل معها، تبحث عن معنى السعادة الحقيقية، وفي كل مرة تبدو أمامها بارقة أمل تظن أنها قد وجدت الطريق، ولكنها تفاجأ بالإحباطات لتدرك أنها مازالت بعيدة عن ذلك الذي تبحث عنه، لتعاود البحث من جديد.

تظهر شخصيات في سياق الرواية بالقدر البسيط الذي يجعلك تفهم لماذا يؤلمها وجودهم، لماذا تعجز عن التفاهم معهم، لماذا تحب بعضهم بلا منطق وتنفر من آخرين رغم ملاءمتهم الظاهرية والعلاقة الوثيقة أو الأسرية التي تجمعها بهم.

تصف لك في اقتدار - تحسد عليه - عذابات روح طليقة حرة هائمة تبحث عن كنهها، تبحث عن سكينتها، تحاول أن تفهم ما تشعر به وتخضعه للعقل، وهو من الصعوبة بما كان.

والحقيقة أن "شيماء" قد أجادت إلى درجة كبيرة وصف عوالم المشاعر وأحوال الروح بلغة بسيطة بعيدة كل البعد عن التقعر رغم صعوبة الموضوع، وصعوبة الحديث عنه.

والمتأمل للرواية يصل إلى استنتاج سهل مفاده أن هناك ملامح كثيرة من تجارب شخصية للكاتبة، تؤهلها للتعبير عنها بهذا الوضوح وبهذه التفاصيل الدقيقة.

ولبطلة الرواية "ليلي" طبيعة خاصة، إن شئت فقل قدر من الشفافية التي تؤهلها لإستقبال رؤى، تعطيها إشارات ودلالات وعلامات لترشدها إلى الطريق.

تأخذها الأحداث من مكان لآخر إلى يستقر بها المقام في بيت العائلة القديم بكفر الشيخ بجوار مقام سيدي طلحة، لتجد نفسها مشدودة إلى عوالم روحية سرمدية صوفية تعطيها راحة وتضيئ أمامها الطريق.

والجمال كل الجمال في الطريق، والبحث عنه والسير فيه، والراحة مؤكدة في نهاية المطاف، ربما بلا منطق محسوب.

وهي في النهاية لم تعطينا أية إجابة قاطعة على أي من التساؤلات التي طرحتها، لكنك لا بد أن تجد شيئا من نفسك في مرحلة من مراحل الرواية.

السر بداخلك، والنور من قلبك، والسعادة من ذاتك.

الحب.. إذا ملأ القلب فاض على الكون الفسيح بكل ما فيه ومن فيه، وغمر وجودك وكيانك.

تواصل مع ذاتك واستمع إلى قلبك تصل إلى ما تبحث عنه.

رواية غير تقليدية تمنح القارئ متعة مؤكدة في المطالعة، وإحساسا جميلا في نهايتها.

تحية تقدير لمبدعة النص الكاتبة الموهوبة "شيماء المارية"، وخالص تمنياتي لها بمزيد من النجاح والإبداع.

تعليقات