باب للخروج.. قصة قصيرة لناصر خليل

  • جداريات Jedariiat
  • الثلاثاء 27 أغسطس 2019, 53:11 مساءا
  • 229

ناصر خليل

النور يتسرب عبر شقوق جدار غرفتي الغبشاء، يمحو بعضا من ظلامها الذي سيطر عليها طوال ساعات الليل الماضية.

نهار جديد ...!!!

أتحسس جسدي الممدد فوق السرير، أمرر يدي فوقه قطعة قطعة، كأنني أتأكد أنه مازال يحتفظ بشكله، أو أن أجزاءه لم تضمر أو تختفي مع مرور السنين، الرأس ثقيل كما حجر، يتطاير شرر الأفكار المحتكة  داخله فيسخن، أنفخ في جسدي ما تبقى من قوتي، ينجح في تبديل وضعية الرقاد، استوي واقفة على قدمي، أشعة الشمس تداعب المرآة الكبيرة– التي اضطررت لشرائها ووضعها هنا– أنا لست من السيدات اللاتي  تعودن على الوقوف أمامها طويلا، استخدامها لديّ مختلف.

ألمح صورة جسدي المنعكس فيها، أول ما رأيته  نهداي المطلقا السراح يتأرجحان بحرية خلف  القميص الأسود الذي يضغط على جسدي فيبرز تفاصيله التي أحاول دائما أن أخفيها، صورة غير متناغمة مع رأسي الحليق تماما .

-  صورتها جميلة ...!!!

لا يراها أحد سواي ولا يطلع عليها سوى مرآتي.

أتقدم بضع خطوات  ناحية الحبل  المشدود بين جدارين، يحمل فوقه كل ملابسي، تمتد يدي، تلتقط ما سوف أرتديه قطعة قطعة دون خلل في الترتيب... "الصديري"، الجلباب الأسود، الكلسون، الشاش الأبيض، الشال الصوف الأسود الكبير.

أقف أمامها المرآة، أخلع القميص، يتهدل نهداي فوق صدري، أعيدهما لمحبسهما، أشد فوقهما بإحكام شريط من المطاط– صنعته بنفسي من إطار إحدى العربات– حين أشده فوقهما يصبحان هما وبطني سوا ، أشعر بألم حاد، لكن كله يهون من أجل ما أنا مقبلة عليه/ لقمة عيش بشرف، تسد رمقي وابنتي، أرفع رأسي عاليا، ألبس الصديري المحبوك فوقه، أزرره جيدا، أرتدي "الكلسون"، أضع يداي في كمي الجلباب الطويلين، ثم أضع رأسي في قبها، أتركها  تنسدل فوق جسدي، أكبس في رأسي الطاقية القماش، ألف الشاش في حلقات متوالية، ثم أشبك آخره في أحد زواياه.. أضع فوقه شالي الأسود، وجهي تكفل الزمن بوضع مكياجه فصار وجها لرجل بامتياز.

قدماي تعرفان طريقهما إلى زوج الحذاء الرجالي اللامع، أدقق النظر في المرآة، أتأكد أن عملية التحول قد تمت دون أخطاء.

مع مرور الوقت صار طقسا لحياتي ، لا أستطيع أن أغيره أو أتخلى عنه، ضاعت كل ذكرياتي / ذكريات البنت الصغيرة بضفائرها تلهو  مع قريناتها، الشابة اليافعة الحالمة، الزوجة، الأم لطفلين صغيرين، الأرملة الوحيدة بلا سند في الحياة، حتى وصلت إلى هذه الصورة التي أنا عليها الآن ذلك الرجل في المرآة، وذلك الوجه الذي هو لا شك لرجل طاعن في السن.

أنا الآن  مستعد للخروج وإتمام مهمتي !!!

سأذوب وسطهم فأنا أشبههم  تماما، لن يتعللوا بأي شيء أو فروق بيننا،فقد صرت نسخة منهم، أجذب من تحت سريري صندوقي/ صندوق الورنيش الخشبي، أحمله فوق كتفي، أستعين بالله، أقصد باب غرفتي خارجا .

 

 

إهداء إلى الحاجة صيصة أبو دوح التي عملت ماسحة أحذية وتنكرت في زي رجل لعدة سنوات.

 

 

تعليقات