شرقاوي حافظ يكتب: الترجمة والإرهاب!

  • أحمد عبد الله
  • الأحد 04 يوليو 2021, 4:33 مساءً
  • 342


تشكل الترجمة رافدا قويا فى تصدير الثقافة واستيرادها عن طريق ترجمة كل ما يمكن ترجمته من وإلى اللغة الأم فى مجتمع ما. وتكمن خطورة الترجمة بشكل خاص حينما يكون المجتمع الذى ترتع فيه الترجمة مجتمعا يتسم بالجهل سواء لقلة المتعلمين أو ندرة المثقفين، فتصبح الأفكار الواردة محل إعجاب وبالتالى يعتنقها البعض دون تريث أو تفكير، والأمثلة المعاشة كثيرة سواء من لمنقول عبر الأفلام السينمائية، أو محلات الموضة، أو أى وسيلة من وسائل التقليد، وانظر حولك فتقف حائرا أمام إجابات وتفسيرات مفقودة عن البناطيل الممزقة عند الركبتين، أو القمصان الممزقة عند الكتفين. فما كل ذلك إلا ترجمة أفعال عن طريق التقليد الأعمى. ولما كان الإرهاب هو الآفة التى تنشب أظفارها فى محاولة يائسة لتمزيق أواصر المجتمع، حاولنا أن نرصد دور الترجمة فى مساندة هذا الإرهاب ، بل وأحيانا فى خلقه، ودعوته غير المرغوب فيها إلى مجتمعنا.


تعود الكارثة لمئات السنين الماضية دون أن نلتفت للجرثومة التى تختبئ فى طيات الكلمات المترجمة من وإلى دون أن نعى مدى خطورتها.


والجريمة تنتج من مسألتين الأولى هى نوعية الكتب المترجمة والثانية هى الخطأ فى الترجمة ذاتها.


ولنبدأ بالثانية لأنها هى الركيزة التى تمركزت حولها المفاهيم الخطأ. أول ما يلفت انتباهنا هو كلمة إرهاب نفسها ولننظر إليها فى اللغة العربية ومدلول استخدامها فى اللغة، والكلمة فى باب رهب ، وتعنى خاف ، ومنها أرهب فعل للتعدى بمعنى أخاف أو هدد دون القيام بفعل عملى ولذلك استخدها القرآن الكريم فى أكثر من موضع مثل قوله تعالى فى سورة الأنفال " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم" ودون الدخول فى تفاصيل التفسير فالآية استخدمت كلمة رهب بمعنى أن يكون لديك قوة لكى يخاف منك العدو، ولهم فى الآية تعود على من يقاتلك، تؤكدها كلمة عدو الله وعدوكم، وإعداد القوة بهذا الشكل أليس مستخدما لدى القوى العظمى الذين يمتلكون النووى وحق الفيتو؟ ، وقال تعالى فى سورة البقرة " يا بنى إسرائيل اذكروا نعمتى التى أنعمت عليكم وأوفوا بعهدى أوف بعهدكم وإياى فارهبون" أى خافونى، وكذلك قوله تعالى فى سورة الحشر " لأنتم أشد رهبة فى صدورهم من الله" أى مخافة. وبالرجوع إلى المصحف المترجم من مجمع الملك فهد و المعجم الإسلامى العالمى نجد ترجمة سورة الأنفال كالآتى:


"And make ready against them all you can of power including steeds of war( tanks , planes , missiles , artillery ) to threaten the enemy of Allah and your enemy"


أو


And make ready of them whatever you can of armed force and of mounted pickets at the frontier, wherby you may frighten the enemy of Allah and your enemy.


فنرى أن كلمة ترهبون مترجمة إلى يهدد أو يخيف، وكذلك فى باقى الترجمات التى رجعنا إليها وإن اكتفينا يأشهر وأصح ترجمتين.


أما ترجمة آيات سورة البقرة :


Oh children of Israeal remember my favour I bestowed upon you and fulfill ( your obligations to) my covenant  with you, so that I fulfill ( my obligation to) you covenant with me, and fear none but me.


أو


And me alone should you fear  


فنرى كلمة فارهبون ترجمت إلى " خافونى"


أما آيات سورة الحشر فترجمتها :


Of a truth . they have greater fear of you in their heasrts tha Allah


أو


You are more fearful in their breasts thanAllah         


فنجد كلمة رهبة ترجمت إلى " خوف"


وهكذا نجد كلمة رهب ومشتقاتها فى القرآن الكريم تعنى التخويف أو التهديد بالتحصين وليس بالاعتداء، حتى إن كلمة الرهبانية والرهبان تأخذ نفس المعنى إذ إن الراهب هو الذى اشتد خوفه من الله وتحولت الكلمة إلى اصطلاح. والقرآن أورد أكثر من عشر كلمات تحمل نفس المعنى بنفس الترجمة فى الترجمات المعتمدة للقرآن الكريم.


أما كلمة terrorism   وهى الكلمة المستخدمة فى اللغة الانجليزية وما يقابلها فى الفرنسية trrorisme   وفى الالملنية  terrorismus  وفى الايطالية والاسبانيةterrorismo    والتشابه يرجع إلى أن الكلمة أصلها لاتينى وتحولت إلى ما هى عليه ، وإن كنا سنقتصر فى حديثنا على الانجليزية لأنها الأعم والأكثر شيوعا، نرى أن الكلمة فى أهم المعاجم اللغوية سواء إكسفورد أو كامبردج، أو تيمبوررى أو ويبستر أو غيرها من المعاجم الشهيرة تعنى التخريب والتدمير والقتل وإلقاء القنابل والحرق والاغتيالات لسبب سياسى ، وفى البعض تضاف أو سبب عقائدى أو دينى. والغريب  أن هناك فرقا طفيف بين هذه الكلمة فى مدلولها وكلمة  terro  وكلاهما اسم . والذى يجعلنا فى حيرة لماذا ترجمت هذه الكلمة إلى كلمة إرهاب رغم اختلاف المعنى ؟ فعندما يقف الخطيب المسلم أو المسلم العادى ليتلو آيات الله التى تحتوى على كلمة أرهب فسوف يفهم صاحب اللغة الأخرى بأن الإسلام يدعو للقتل والتخريب والتدمير وإلخ وله العذر فى ذلك، ولكن لا عذر لمن ترجم ولا عذر لمن نشر الترجمة بهذا الشكل ، والناظر فى القرآن يجد أن هناك مصطلحات أخرى توازى الكلمة الأجنبية، ففى سورة المائدة نجد " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم  وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزى فى الدنيا ولهم فى الآخرة عذاب عظيم " فالذين يسعون فى الأرض فسادا هم الذين تنطبق عليهم كلمة terrorism  .


هذا مثال من كثير من أخطاء فى الترجمة  interlingual    وهى الترجمة بين لغتين وما ذكرناه هو ترجمة من الأجنبية إلى العربية، أما من العربية إلى الأجنبية فالأمر أفدح وأفظع.


فبداية سنتوقف أمام ثلاث كلمات فقط ونرى ترجمتها إلى اللغة الانجليزية على وجه التحديد من واقع معاجمهم التى قلما يطلع عليها القارئ العربى ، وهى كلمة مسلم وهى فى الانجليزية "Muslim  "، وبلا شك المعاجم الكبرى تنأى أحيانا بنفسها عن أى إثارة، ولكن ما رأيكم بالمعاجم المتداولة بين أهل اللغة فقط ، مثل العامية عندنا، فهى بلا شك لسان حقيقى لأهل اللغة ، لذلك سأورد المعنى كما هو عليه فى لغته لكى لا يتهمنا أحد بالتزايد، فكلمة مسلم كما يقول المعجم الأمريكى:


 A religious meniac that can't tolerate christianity but expect everyone to tolerate them.


هو المهووس الدينى الذى لا يتسامح مع المسيحية ولكنه يتوقع أى فرد آخر أن يتسامح معه.


ويضيف المعجم تذييلا بقوله:


Also note that most Muslims are not terrorists but most terrorists are Muslims


وتعنى أن ليس كل المسلمين إرهابيين" مع التحفظ على ترجمة الكلمة وإن كنت أفضل مفسدين أو مخربين، ولكن سأستخدمها لكى يكون الأمر واضحا فقط" ولكن معظم الإرهابيين مسلمون.


ويضيف المعجم:  Muslims are hypocrites       أى المسلمون منافقون.


ناهيك عن التعريفات التى يوردها المعجم عن الإسلام ونبى الإسلام فهذا ليس موضوعنا ولكى لا أثير نفوسا راكدة، ولكن يعنينى أن كلمة مسلم فى المعاجم العامية الأمريكية تعنى ما أوردنا بعضه


والكلمة الثانية هى " جهاد" التى تعنى فى اللغة العربية الجد، وإن كان لها معان شرعية ، وليست لغوية، والذى يعنينا هنا اللغوية، فالكلمة تعنى النضال أو تهذيب النفس، واكتفت المعاجم الرئيسية بكلمة


A holy war fought by Muslims


أى حرب مقدسة يخوضها المسلمون ، أما المعاجم العامية فتعرفها بقولها


Kill anyone that is not muslim


أى قتل أى فرد غير مسلم


والكلام فى الكلمات الإسلامية جم لا تكفيه صفحات هذا البحث، ولكن نريد أن ننوه على الكلمة الثالثة وهى كلمة فلسطين ( لكى نعرف رؤية الآخر لمعنى الكلمة فى الصراع العربى الإسرائيلى أو الصهيونى) فتعريف كلمة فلسطين فى المعاجم الرئيسية هو


Philistine is  someone who does not like or understand art, literature, music etc


أى غير مثقف أو غير مستنير


أما المعاجم العامية فتعريفها هو


A smugly ignorant person with no appreciation of intellectual or artistic matters


أى: شخص جاهل متعجرف لا يتذوق الأمور الثقافية أو الفنية.


ناهيك عن كلمات كثيرة تم ترجمتها إبان العصر العثمانى بمعان يندى لها الجبين، والأغرب أن تركيا التى تسعى للانضمام للاتحاد الأوربى لم تحذف من معاجم الغرب كلمة تركى التى تعنى فى الانجليزية على الأقل


a loser; an uncoordinated, inept, clumsy fool 


أى فاشل، غير منسق، أخرق، أحمق


هذا علاوة على تعريفها كصفة فى المعاجم الرئيسية بقولها


 An unsuccessful film or play


أى مسرحية أو فيلم فاشل أو بالبلدى ساقط.


ومن هذا المنطلق نرى أن الترجمة بين اللغات أخذت منحى ضد الواقع لما يؤدى إلى شحن بعض النفوس غير المسلمة أو العربية ضد العرب والإسلام. وإذا أضفنا لهذا النوع من الترجمة نوعا آخر وهو ’ intralingual ‘  أى الترجمة فى ذات اللغة، أو بالأحرى التفسير فهذا ما سنتكلم فيه في مقال آخر بإذن الله

تعليقات