حواديت اللغة العربية (2).. دعا عليه بدلاً من أن يدعو له

  • سعيد صادق
  • الإثنين 12 أغسطس 2019, 12:14 مساءا
  • 202

غني عن القول أن لغتنا العربية تكتنز بالكثير من السحر والجمال، وكذلك بالمفارقات الطريفة والنكات البلاغية، على عكس ما يرمي به بعض المتشدقين عربيتنا بالجمود والميكانيكية، ومن الأمور الطريفة في هذا الصدد وتستحق أن تروى ما كان من أبي بكر الصديق في تعديل وتقويم أحد الأقوال، كما يلي:

كان أبو بكر الصديق في أحد الأسواق يومًا وسمع متحادثين وأحدهما يقول للآخر "لا جزاك الله خيرا" وذلك ردًّا منه على سؤال الأول "ألك حاجة فأقضها؟"، وهنا تدخل الصديق، رضي الله عنه، ليوجه القائل "لا جزاك الله خيرا" بأن يقول بدلا من ذلك "لا وجزاك الله خيرا" بإثبات واو قبل كلمة "جزاك".

ومناط الأمر هنا أن الجملة الأولى دون "واو" قد توهم المستمع أن المتحدث يدعو عليه ألا يجزيه الله بالخير بدلا من الدعاء له بجزاء الخير، ومثل هذه الشكل من اللطائف البلاغية يندرج تحت ما يسمى عند البلاغيين الفصل والوصل.

وإن كان لنا من تعليق على هذه الوقعة يمكن القول- مع كامل توقيرنا لتوجيه الصديق رضي الله عنه، إن هذا التوجيه يتماشى مع  مقتضيات ومقاييس الفصاحة واللغة في عصره، لكن طبقات الصوت وتنغيم نطق الحروف وسياق القول قد يحدد المقصود بالعبارة إذا كان دعوة له أم دعوة عليه، مدحا أم ذما، شأن كلمات وعبارات أخرى يمكن أن تقال في سياق المديح وتحمل معنى التهكم، مثل قولنا "يا محترم" فالأصل المراد بها المدح، لكن قد يراد بها الذم والتهكم في سياق أن يبدر من شخص إساءة أو عيب، فيُقال له "يا محترم" تهكما وذما، ويحدد ذلك التغيير في طبقات الصوت تنبيرا وتنغيما وسياق قول الجملة.

أمر آخر هنا هو أن تعليق أبي بكر قد يبدو مقبولا ولا غبار عليه في المشافهة والسماع، وليس الكتابة، ففي حال الكتابة، خصوصا الحديثة، يمكننا أن نعرف إذا كانت عبارة كهذه التي علق عليها الصديق تحمل دعاء للشخص أو دعوة عليه من خلال علامات الترقيم، فالعبارة مثلا- وهذا اجتهاد- لو كتبت هكذا: "لا جزاك الله خيرا" فإنها تحمل معنى الدعوة على الشخص، أما إذا كتبت هكذا مثلا "لا.. جزاك الله خيرا" كانت تحمل معنى الدعاء للشخص، إذ إن النقطتين المتجاورتين (..) بما تمثلانه من سكت وفصل بعد كلمة (لا) وما يتبع ذلك من تنغيم جديد في نطق العبارة ربما تغنيان عن حرف الواو قبل كلمة جزاك لتؤدي معنى الدعاء للشخص.

تعليقات