الأديبة الأردنية دينا العزة تكتب: إضاءة أدبية لرواية "السفينة العمياء" للكاتب أحمد بدر نصار

  • سعيد صادق
  • الأربعاء 05 أغسطس 2020, 9:25 مساءا
  • 829




رغم أن السفن تأخذنا لعالم البحار، نبحر في آفاقها لنرسو نهاية  للشطآن حاملة الكثير من الروايات، ومنها نستذكر قصة السفينة التي لا تغرق (تايتنك) حملت من قصص لمن كانوا على متنها،  وحفرت منذ صناعتها حتى غرقها تاريخاً جالت به السينما في مخيلتنا.

جاء اليوم الأديب ( أحمد بدر نصار ) بروايته التي تحمل أخطاء السفينة حين تجهل بوصلتها ويكون الربان عاجزاً عن إدارتها. 

 اسم الرواية (السفينة العمياء) التي جسد حاسة العمى بتفاصيل الحدث، حيث بدأت ببيت مصري بسيط وربان بيته العامل المكافح في شركة البريد الذي يحمل قناطير الهموم في مكابدة المعيشة ليجعل من أفراد عائلته سلاطين مرفهين بقدر استطاعته، جسد هنا هم الشارع المصري الذي يبدأ بالفقير قبل الغني ، على اتساع شريحة المجتمع كل منهم لديه أثقال تفوقه وزناً لكل فرد منهم.

أظهر الكاتب نصار هنا أيضاً حال الشاب الذي يجتهد ليتعلم ومن ثم يصطدم بالواقع المرير مع البطالة المكتظة في كل بيت، الأفكار التي يسير معها نهاية للهجرة والخروج عن طائلة العبء المتشبث به مهما حاول ايجاد حلول للبقاء في الوطن الأم، الأفكار التي يعتقد الشباب أنها الحل الامثل بالتعارف على زوجة أجنبية يحمل  بواسطتها الجنسية والمكوث في بلدان خيّل إليهم أنها الخروج من عنق الزجاجة، فتأتي الصدمة الأخرى لتلقي به في شوارع المدن المهووسين بجمالها ورقيها و ثرائها، لكن عندما نصبح بين أزقتها نكتشف أنها واقع مماثل لكن بقسوة أشد فالغربة جاحدة جداً، لا ترفق بحواسهم ومشاعرهم فلا يحتضنهم قلب ام او حضن والد. 

ثم ينتقل إلى الربيع العربي الذي اصبح دموياً بشراسة، بتلك الخسارات الفادحة التي تتجسد بنهب الأرواح من اطفال وشيوخ ونساء مقابل فرد سيطرة القوى السياسية والعسكرية للقوى العظمى على أجساد أوطاننا لتغتالها بحرب باردة تُدار بخفة كـــ(نشّال)  يده خفيفة الوقع على جيب من يُسرق، لكن النتائج موغلة بالألم و اليُتم والحسرات، موغلة بالجنائز المخيفة التي تدفن أشلاء الحلم والبراءة و الأمان، ثم يبدأ شبح التطرف الذي يهيم في جنبات البسيطة ليزرع خوفاً بل غولاً يقذف الرعب و نزع الطمأنينة، ليصبح الوطن خراباً قاسياً على بصر وسمع من وقع تحت بقعة ذاك النزاع غير المبرر سوى بـ(البلطجة المسيسة)  ربما لتسويغ هذه الوحشيّة بحق، والحقيقة أنه ظلم لا وجهة له مع الحق.

تميّز الروائي أحمد بدر نصار بالسلاسة اللغوية، واستخدام (اللهجة العاميّة) ببعض الحوارات لتصل إلى القارئ أفكاره بسلاسة، ليرسم الصور المشوبة بالآلام على مسرح مخيّلة القارئ بعمق بسيط ممتنع، ممنوع من الصرف، غالب على طابعه الحياة لعامة الشعوب العربية.

حاول أن يظهر مدى الدمويّة التي لا تبرر بصور حقيقية من الواقع، والرفض الذي يقيم بين ضلوع كل مواطن عربي شريف من أي استباحة للعرض و الوطن والحرية .

نهاية أقول أبدع كاتبنا الروائي هنا باسم روايته التي تعبر عن ضياع الأمم حين تغزو السياسة أوصالها بحرب بسوسيّة دمرت حضارت لتاريخ طويل. 

السفينة العمياء تلقي الضوء على واقع حالٍ مرير ، يعتصرنا ألماً.



تعليقات