رائحة البيت.. قصة قصيرة للكاتب شعبان القاص

  • سعيد صادق
  • الإثنين 08 يونيو 2020, 00:51 صباحا
  • 252

الكاتب شعبان القاص

نسي كل شيء إلا صفة البيت وساكنيه, كالعادة كان الباب الرئيسي مواربا, راح يمشى على الممر المرصوف بالجرانيت الأخضر,  على اليمين  "مندرة" الضيوف بأثاثها القديم, على اليسار حجرة تبدو مغلقة منذ فترة طويلة, قاده الممر إلى فضاء واسع, مليء بأشجار الورود, أشجار لا يعرف أسماءها, لكنه استطاع أن يميز بين روائح زهورها, طرق باب مسكن العائلة ثم انتحى جانبا, خطوات بطيئة في "الصالة"، فتحت الباب, حدث نفسه يطمئنها:

لا يزال صوتها الحنون يرحب بالضيوف.

طبع على يدها قبلة خاطفة, أشارت له بالجلوس على أريكة وثيرة وعتيقة, وضع أكياس الفاكهة على"السفرة" ثم جلس، بادرته:

_ أهلا وسهلا يا بنى

_ كيف حالك يا حاجة؟

_الحمد لله, لا تؤاخذني يا ولدي, يبدو أن الزمن  قد فعل فعله, أنا لا أتذكرك

حركات متتابعة في حجرة البنات, رائحة البيت تسرى في كيانه  فيسري في  جسده خدر لذيذ, جعله يشعر بأريحية وحميمية قطعها سؤال الشيخ القادم من الخارج:

-  أهلا وسهلا، من حضرتك؟

نقله السؤال إلى عالم كئيب لا يريد أن يتذكره, بدت عليه علامات الضيق والاضطراب.

شعر الرجل بالحرج, فما كان له أن يحرج ضيفه، فقال:

- لا تؤاخذني فقد كبرت سنى وضعفت ذاكرتي.

هل أنت ابن الحاج صالح؟

قالت العجوز:

-  يبدوا أنك لم تزرنا منذ مدة طويلة

- من يعرفكم يا حاجة لا ينساكم أبدا.

- هل أنت من البلد؟

تجاهل السؤال، راح يسأل عن الأبناء والبنات بحميمية رقيقة والزوجان يلهجان بالثناء على الله, ونسيا أمر التعارف, شعرا معه براحة في الحديث, انطلق يتحدث عن عاداتهم من لحظة استيقاظهم لصلاة الفجر، حين يخرج أحمد خلف أبوه ثم يعود ليستذكر دروسه، يجلجل صوته بالقرآن الكريم، بينما تجهز الأم و(الدادة) بهية طعام الإفطار، 

 استرسل:

ألا يزال أحمد يمارس التمارين الرياضية في الحديقة بينما تحاول  هدى تقليده  فتقوم وتقع؟ وتدوى ضحكات الحاج والحاجة فتسرى البهجة في  البيت كما يسرى ضوء الشمس، حين تزيح نورا الستائر وتأتى مريم بالزهور فتضعها على (السفرة)، بينما ترص نورا الأطباق يتوسطها إبريق الشاي الكبير ؟

أثار حديثه حفيظة ذاكرتيهما، نادى الرجل على أبنائه لعل أحدهم يعرفه، فبادرهم هو قائلا:

 -    أحمد  كيف حالك؟ والله كبرت وأصبحتِ (عروسة) يا هدى.

أين زهورك يا مريم؟

ابتسمت هدى في حياء بينما سارعت مريم إلى الحديقة.

أشار أحمد لأخواته بالاختباء  في الداخل .

فعلق:

-     لو تعلم كم أحبكم يا أحمد  لما حسبتني غريبا!

قالت العجوز:

-  مهلا يا ولدى نحن لا نعرفك

رد معاتبا:

- ليس في صوتك الحنان الذى أعرفه, لكم أتوق إلى دعوة من دعواتك وأنتِ تطوين سجادة الصلاة ثم توقظين البنات للصلاة.

نظر الرجل إلى زوجته مندهشا, وبشيء من العصبية قال: لماذا لا تريد أن تخبرنا من أنت؟

في حركة مفاجئة رمى برأسه في حجر العجوز وراح يبكي, يبكي بحرقة, كمن يهرب من العالم بأسره, جذبه أحمد من ذراعه بشدة, أخذه الرجل وأجلسه, ربت على كتفه، ثم قال موجها حديثه لأبنائه:

-     اهدأ يا أحمد, كوب ماء يا نورا.

الحيرة بادية على وجه الرجل، غضب في صوت أحمد، بريق في عينيّ نورا ، صورة تطاردها مريم في ذاكرتها تحاول الإمساك بها دون جدوى.

لم يعد له رغبة في الكلام, غامت عيناه وهو يحدق في السقف, بدا كمن يراوح بين الحياة والموت, بين الوجود والعدم.

 عالمان مختلفان ينسلخ أحدهما من الآخر, وجه عبوس يطارد وجهها الصبوح, صوت فج يغطى على الصوت الحنون، أصوات تطارده فيردد:

يا كفرة.. يا مجرمين

 صفعات وركلات يحاول تفاديها، انتفض مذعورا, السقف ليس كما كان, الأريكة الوثيرة استحالت صلبة, اختفت الزهور من على المنضدة, المنضدة أيضا ليست سوى مكتب كبير, ووجه جامد فوقها يسأله:

- اسمك؟ وسنك؟ وعنوانك؟

تعليقات